صديق الحسيني القنوجي البخاري

124

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أي إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل لأمر اضطرك إلى ذلك الإعراض ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ أي لفقد رزق مِنْ رَبِّكَ ولكنه أقام المسبب الذي هو ابتغاء رحمة اللّه مقام السبب الذي هو فقد الرزق ، لأن فقد الرزق مبتغ له تَرْجُوها أي ترجو أن يفتح اللّه به عليك فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً أي قولا سهلا لينا كالوعد الجميل أو الاعتذار المقبول قيل هو أن يقول رزقنا اللّه وإياكم من فضله . قال الكسائي : يسرت له القول أي ليّنته وقال الفراء : معنى الآية أن تعرض عن السائل إضاقة وإعسارا فعدهم عدة حسنة ، ويجوز أن يكون المعنى وإن تعرض عنهم ولم تنفعهم لعدم استطاعتك فقل لهم قولا ميسورا ، وليس المراد هنا الإعراض بالوجه ، وفي هذه الآية تأديب من اللّه سبحانه لعباده إذا سألهم سائل ما ليس عندهم كيف يقولون وبما يردون ، ولقد أحسن من قال : أن لا يكن ورق يوما أجود بها * للسائلين فإني لين العود « 1 » لا يعدم السائلون الخير من خلقي * إما نوال وإما حسن مردود ولما ذكر اللّه سبحانه أدب المنع بعد النهي عن التبذير بيّن أدب الانفاق فقال وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ هذا النهي يتناول كل مكلف سواء كان الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم تعرضا لأمته وتعليما لهم ، أو الخطاب لكل من يصلح له من المكلفين ، والمراد النهي للإنسان بأن يمسك إمساكا يصير به مضيقا على نفسه وعلى أهله ، ولا يوسع في الانفاق توسيعا لا حاجة إليه بحيث يكون به مسرفا ، فهو نهي عن جانبي الإفراط والتفريط ويتحصل من ذلك مشروعية التوسط ، وهو العدل الذي ندب اللّه إليه : ولا تك فيها مفرطا أو مفرطا * كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقد مثل اللّه سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة إلى عنقه مضمومة إليه مجموعة معه في الغل بحيث لا يستطيع التصرف بها ، ومثل حال من يجاوز الحدّ في التصرف بحال من يبسط يده بسطا لا يتعلق بسببه فيها مما يقبض الأيدي عليه ولا يبقى شيئا في كفه ، وفي هذا التصوير مبالغة عظيمة بليغة ثم بيّن

--> ( 1 ) البيتان من البسيط ، ويروى صدر البيت الثاني : لا يعدم السائلون الخير أفعله وهو لمحمد بن يسير في الشعر والشعراء ص 884 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( ردد ) .